فصل: تفسير الآية رقم (1):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (14-15):

{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}.
الصَّلْصَالُ: الطِّينُ الْيَابِسُ الَّذِي تُسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةٌ، أَيْ صَوْتٌ إِذَا قُرِعَ بِشَيْءٍ، وَقِيلَ: الصَّلْصَالُ الْمُنْتِنُ، وَالْفَخَّارُ الطِّينُ الْمَطْبُوخُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا طَوْرًا مِنْ أَطْوَارِ التُّرَابِ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ آدَمَ، فَبَيَّنَ فِي آيَاتٍ أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [3/ 59]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [22/ 5]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [30/ 20]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} [40/ 67]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [20/ 55].
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} وَقَوْلِهِ: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} أَنَّ الْمُرَادَ بِخَلْقِهِمْ مِنْهَا هُوَ خَلْقُ أَبِيهِمْ آدَمَ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَصْلُهُمْ وَهُمْ فُرُوعُهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَجَنَ هَذَا التُّرَابَ بِالْمَاءِ فَصَارَ طِينًا، وَلِذَا قَالَ: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [17/ 61]، وَقَالَ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [23/ 12]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [32/ 7]، وَقَالَ: {أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} [37/ 11]، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [38/ 71]، ثُمَّ خَمَّرَ هَذَا الطِّينَ فَصَارَ حَمَأً مَسْنُونًا، أَيْ طِينًا أَسْوَدَ مُتَغَيِّرَ الرِّيحِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} الْآيَةَ [15/ 26]. قَالَ تَعَالَى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [15/ 28]، وَقَالَ عَنْ إِبْلِيسَ: {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [15/ 33]، وَالْمَسْنُونُ قِيلَ الْمُتَغَيِّرُ، وَقِيلَ الْمُصَوَّرُ، وَقِيلَ الْأَمْلَسُ، ثُمَّ يَبِسَ هَذَا الطِّينُ فَصَارَ صَلْصَالًا. كَمَا قَالَ هُنَا: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَقَالَ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ.
فَالْآيَاتُ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَتَبَيَّنُ فِيهَا أَطْوَارُ ذَلِكَ التُّرَابِ؛ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: {الْجَانَّ} أَيْ وَخَلَقَ الْجَانَّ وَهُوَ أَبُو الْجِنِّ، وَقِيلَ: هُوَ إِبْلِيسُ. وَقِيلَ: هُوَ الْوَاحِدُ مِنَ الْجِنِّ.
وَعَلَيْهِ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ، وَالْمَارِجُ: اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ نَارٍ بَيَانٌ لِمَارِجٍ، أَيْ مِنْ لَهَبٍ صَافٍ كَائِنٍ مِنَ النَّارِ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْجَانَّ مِنَ النَّارِ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحِجْرِ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [15/ 26]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [2/ 34].

.تفسير الآية رقم (17):

{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}.
قَدْ أَوْضَحْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الصَّافَّاتِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} [37/ 5].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [25/ 53].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}.
قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو: {يُخْرَجُ} بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَعَلَيْهِ فَاللُّؤْلُؤُ نَائِبُ فَاعِلِ: {يُخْرَجُ} وَقَرَأَهُ بَاقِي السَّبْعَةِ: يَخْرُجُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَعَلَيْهِ فَاللُّؤْلُؤُ فَاعِلُ: {يَخْرُجُ}.
اعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ مَجْمُوعِهَا الصَّادِقِ بِالْبَحْرِ الْمِلْحِ، وَإِنَّ الْآيَةَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَجْمُوعِ وَإِرَادَةِ بَعْضِهِ، وَإِنَّ اللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ لَا يَخْرُجَانِ مِنَ الْبَحْرِ الْمِلْحِ وَحْدَهُ دُونَ الْعَذْبِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالُوهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَجَلَالَتِهِمْ لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِنَقِيضِهِ فِي سُورَةَ فَاطِرٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَا نَاقَضَ الْقُرْآنَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [35/ 12]، فَالتَّنْوِينُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ كُلِّ تَنْوِينُ عِوَضٍ أَيْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَذْبِ وَالْمِلْحِ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا، وَهِيَ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} الْآيَةَ [6/ 130]، وَاللُّؤْلُؤُ الدُّرُّ، وَالْمَرْجَانُ الْخَرَزُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَرْجَانُ صِغَارُ الدُّرِّ وَاللُّؤْلُؤُ كِبَارُهُ.

.تفسير الآية رقم (24):

{وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الشُّورَى فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} [42/ 32].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ فَنَاءِ كُلِّ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ وَبَقَاءِ وَجْهِهِ- جَلَّ وَعَلَا- الْمُتَّصِفِ بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [28/ 88]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [25/ 58]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [3/ 185]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالْوَجْهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الْعَلِيِّ وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَ رَبَّنَا وَنُؤْمِنَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مَعَ التَّنْزِيهِ التَّامِّ عَنْ مُشَابَهَةِ صِفَاتِ الْخَلْقِ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا غَايَةَ الْإِيضَاحِ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَفِي سُورَةِ الْقِتَالِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [15/ 17]، وَتَكَلَّمْنَا أَيْضًا هُنَاكَ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يُفَسِّرُهَا الْجَاهِلُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ مَعَانِيهَا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.

.تفسير الآية رقم (37):

{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ السَّمَاءَ سَتَنْشَقُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهَا إِذَا انْشَقَّتْ صَارَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ، وَقَوْلُهُ: وَرْدَةً: أَيْ حَمْرَاءَ كَلَوْنِ الْوَرْدِ، وَقَوْلُهُ: كَالدِّهَانِ: فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: أَنَّ الدِّهَانَ هُوَ الْجِلْدُ الْأَحْمَرُ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَصِيرُ وَرْدَةً مُتَّصِفَةً بِلَوْنِ الْوَرْدِ مُشَابِهَةً لِلْجِلْدِ الْأَحْمَرِ فِي لَوْنِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّهَانَ هُوَ مَا يُدْهَنُ بِهِ، وَعَلَيْهِ، فَالدِّهَانُ، قِيلَ: هُوَ جَمْعُ دُهْنٍ، وَقِيلَ: هُوَ مُفْرَدٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي مَا يُدْهَنُ بِهِ دِهَانًا، وَهُوَ مُفْرَدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَأَنَّهُمَا مَزَادَتَا مُتَعَجِّلٍ ** فَرِيَّانِ لَمَّا تُسْلَقَا بِدِهَانِ

وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدِّهَانَ هُوَ الْجِلْدُ الْأَحْمَرُ يَكُونُ اللَّهُ وَصَفَ السَّمَاءَ عِنْدَ انْشِقَاقِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحُمْرَةُ فَشَبَّهَهَا بِحُمْرَةِ الْوَرْدِ، وَحُمْرَةِ الْأَدِيمِ الْأَحْمَرِ.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهَا يَصِلُ إِلَيْهَا حُرُّ النَّارِ فَتَحْمَرُّ مِنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَصْلُ السَّمَاءِ حَمْرَاءُ إِلَّا أَنَّهَا لِشِدَّةِ بُعْدِهَا وَمَا دُونَهَا مِنَ الْحَوَاجِزِ لَمْ تَصِلِ الْعُيُونُ إِلَى إِدْرَاكِ لَوْنِهَا الْأَحْمَرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُرَى عَلَى حَقِيقَةِ لَوْنِهَا.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدِّهَانَ هُوَ مَا يُدْهَنُ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَصَفَ السَّمَاءَ عِنْدَ انْشِقَاقِهَا بِوَصْفَيْنِ أَحَدِهِمَا حُمْرَةِ لَوْنِهَا، وَالثَّانِي أَنَّهَا تَذُوبُ وَتَصِيرُ مَائِعَةً كَالدُّهْنِ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ نَعْلَمْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تُبَيِّنُ هَذِهِ الْآيَةَ، بِأَنَّ السَّمَاءَ سَتَحْمَرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَكُونَ كَلَوْنِ الْجِلْدِ الْأَحْمَرِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ أَنَّهَا تَذُوبُ وَتَصِيرُ مَائِعَةً، فَقَدْ أَوْضَحَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمَعَارِجِ: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} [70/ 7- 8]، وَالْمُهْلُ شَيْءٌ ذَائِبٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وَهُوَ عَكِرُهُ، أَوْ قُلْنَا إِنَّهُ الذَّائِبُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ نَحْوِهِمَا.
وَقَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى فِي الْكَهْفِ أَنَّ الْمُهْلَ شَيْءٌ ذَائِبٌ يُشْبِهُ الْمَاءَ، شَدِيدُ الْحَرَارَةِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [18/ 29].
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْوَرْدَةَ تَشْبِيهٌ بِالْفَرَسِ الْكُمَيْتِ وَهُوَ الْأَحْمَرُ لِأَنَّ حُمْرَتَهُ تَتَلَوَّنُ بِاخْتِلَافِ الْفُصُولِ، فَتَشْتَدُّ حُمْرَتُهَا فِي فَصْلٍ، وَتَمِيلُ إِلَى الصُّفْرَةِ فِي فَصْلٍ، وَإِلَى الْغَبَرَةِ فِي فَصْلٍ.
وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشْبِيهِ كَوْنُ السَّمَاءِ عِنْدَ انْشِقَاقِهَا تَتَلَوَّنُ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَاضِحُ الْبُعْدِ عَنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَذْهَبُ وَتَجِيءُ- مَعْنَاهُ لَهُ شَاهِدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} الْآيَةَ [52/ 9]، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عِنْدِي مِنْ بُعْدٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنِ انْشِقَاقِ السَّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [84/ 1]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ} [69/ 15- 16]، وَقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} الْآيَةَ [25/ 25]، وَقَوْلِهِ: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [82/ 1]، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ ق فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [50/ 6].

.تفسير الآية رقم (39):

{فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ}.
ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَسْأَلُ إِنْسًا وَلَا جَانًّا عَنْ ذَنْبِهِ، وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْقَصَصِ: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [28/ 78].
وَقَدْ ذَكَرَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي آيَاتٍ أُخَرَ أَنَّهُ يَسْأَلُ جَمِيعَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرُّسُلَ وَالْمُرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [7/ 6]، وَقَوْلِهِ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [15/ 92- 93].
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مُبَيِّنَةً لِوَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي قَدْ يَظُنُّ غَيْرُ الْعَالِمِ أَنَّ بَيْنَهَا اخْتِلَافًا.
اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ السُّؤَالَ الْمَنْفِيَّ فِي قَوْلِهِ هُنَا فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ، وَقَوْلِهِ: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [28/ 78]- أَخَصُّ مِنَ السُّؤَالِ الْمُثْبَتِ فِي قَوْلِهِ: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لِأَنَّ هَذِهِ فِيهَا تَعْمِيمُ السُّؤَالِ فِي كُلِّ عَمَلٍ، وَالْآيَتَانِ قَبْلَهَا لَيْسَ فِيهِمَا نَفْيُ السُّؤَالِ إِلَّا عَنِ الذُّنُوبِ خَاصَّةً، وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ أَوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ مَحِلُّ الشَّاهِدِ عِنْدَنَا مِنْ بَيَانِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ هُنَا، هُوَ أَنَّ السُّؤَالَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا سُؤَالُ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ وَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَالثَّانِي هُوَ سُؤَالُ الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِعْلَامِ.
فَالسُّؤَالُ الْمَنْفِيُّ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ هُوَ سُؤَالُ الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِعْلَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِأَفْعَالِهِمْ مِنْهُمْ أَنْفُسِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [58/ 6].
وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ وَاسْتِعْلَامٍ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنْهُ.
وَالسُّؤَالُ الْمُثْبَتُ فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى هُوَ سُؤَالُ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، سَوَاءٌ كَانَ عَنْ ذَنْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَنْبٍ. وَمِثَالُ سُؤَالِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ سُؤَالَ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [3/ 106]، وَمِثَالُهُ عَنْ غَيْرِ ذَنْبٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [37/ 24- 26]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا} [52/ 13- 15]، وَقَوْلُهُ: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [6/ 130].
أَمَّا سُؤَالُ الْمَوْءُودَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [81/ 8]، فَلَا يُعَارِضُ الْآيَاتِ النَّافِيَةَ السُّؤَالَ عَنِ الذَّنْبِ، لِأَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ أَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ ذَنْبِهَا، وَالْمُرَادُ بِسُؤَالِهَا تَوْبِيخُ قَاتِلِهَا وَتَقْرِيعُهُ، لِأَنَّهَا هِيَ تَقُولُ لَا ذَنْبَ لِي فَيَرْجِعُ اللَّوْمُ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا ظُلْمًا.
وَكَذَلِكَ سُؤَالُ الرُّسُلِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَوْبِيخُ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَتَقْرِيعُهُ، مَعَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُ، وَبَاقِي أَوْجُهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، وَمَوْضُوعُ هَذَا الْكِتَابِ بَيَانُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا بَقِيَّتَهَا فِي كِتَابِنَا دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [7/ 6].

.تفسير الآية رقم (41):

{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ}.
قَوْلُهُ: {بِسِيمَاهُمْ}: أَيْ بِعَلَامَتِهِمُ الْمُمَيِّزَةِ لَهُمْ، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهَا هِيَ سَوَادُ وُجُوهِهِمْ وَزُرْقَةُ عُيُونِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} الْآيَةَ [3/ 106]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [39/ 70]
وَقَالَ تَعَالَى: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [10/ 27]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [80/ 40- 42]، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أَيْ يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا سَوَادٌ كَالدُّخَانِ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي زُرْقَةِ عُيُونِهِمْ: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [20/ 102]، وَلَا شَيْءَ أَقْبَحَ وَأَشْوَهَ مِنْ سَوَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ، وَلِذَا لَمَّا أَرَادَ الشَّاعِرُ أَنْ يُقَبِّحَ عِلَلَ الْبَخِيلِ بِأَسْوَأِ الْأَوْصَافِ وَأَقْبَحِهَا، فَوَصَفَهَا بِسَوَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ حَيْثُ قَالَ:
وَلِلْبَخِيلِ عَلَى أَمْوَالِهِ عِلَلٌ ** زُرْقُ الْعُيُونِ عَلَيْهَا أَوْجُهٌ سُودُ

وَلَا سِيَّمَا إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ سَوَادِ الْوَجْهِ اغْبِرَارُهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهُ قُبْحًا عَلَى قُبْحٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَفْسِيرَهُ وَالْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الطُّورِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [52/ 13].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}.
أَمَّا قَوْلُهُ: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ فَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الطُّورِ أَيْضًا فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [52/ 14].
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} فَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} الْآيَةَ [22/ 19- 20].

.تفسير الآية رقم (46):

{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ الْآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا وَجْهَانِ صَحِيحَانِ كِلَاهُمَا يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ مُبَيِّنِينَ أَنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ، وَذَكَرْنَا لِذَلِكَ أَمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِيهَا وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، كِلَاهُمَا يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: مَقَامَ رَبِّهِ: أَيْ قِيَامَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فَالْمَقَامُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْقِيَامِ، وَفَاعِلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ الْعَبْدُ الْخَائِفُ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى الرَّبِّ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [79/ 40]، فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى: قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ خَافَ عَاقِبَةَ الذَّنْبِ حِينَ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فَنَهَى نَفْسَهُ عَنْ هَوَاهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فَاعِلَ الْمَصْدَرِ الْمِيمِيِّ الَّذِي هُوَ الْمَقَامُ- هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَيْ: خَافَ هَذَا الْعَبْدُ قِيَامَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمُرَاقَبَتَهُ لِأَعْمَالِهِ وَإِحْصَاءَهَا عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى قِيَامِ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَإِحْصَائِهِ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [2/ 255]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [13/ 33]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} الْآيَةَ [10/ 61]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْجِنِّ: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} الْآيَةَ [46/ 31] أَنَّ قَوْلَهُ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، وَتَصْرِيحَهُ بِالِامْتِنَانِ بِذَلِكَ عَلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فِي قَوْلِهِ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [55/ 47] نَصٌّ قُرْآنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْخَائِفِينَ مَقَامَ رَبِّهِمْ مِنَ الْجِنِّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}.
قَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [16/ 14]، جَمِيعَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَنَعُّمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالسُّنْدُسِ وَالْإِسْتَبْرَقِ، وَالْحِلْيَةِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى ذُكُورِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي دَارِ الدُّنْيَا.

.تفسير الآية رقم (56):

{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}.
قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ} [37/ 48].

.تفسير الآية رقم (72):

{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}.
قَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى الْقَصْرِ فِي الْخِيَامِ، وَقَصْرِ الطَّرْفِ عَلَى الْأَزْوَاجِ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ} [37/ 48]، وَقَدَّمْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى صِفَاتِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالصَّافَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

.سُورَةُ الْوَاقِعَةِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآية رقم (1):

{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}. الَّذِي يَظْهَرُ لِي صَوَابُهُ أَنَّ إِذَا هُنَا هِيَ الظَّرْفِيَّةُ الْمُضَمَّنَةُ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ: {إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا} [56/ 4]، بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَأَنَّ جَوَابَ إِذَا هُوَ قَوْلُهُ: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَيَّانَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَسْلُوبَةُ مَعْنَى الشَّرْطِ هُنَا، وَأَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ بِاذْكُرْ مَقَدَّرَةً أَوْ أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ، وَخِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ بِلَيْسَ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهَا.
وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ أَنَّ إِذَا ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ مَنْصُوبٌ بِجَزَائِهِ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ وَحَصَلَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الْعَظِيمَةُ ظَهَرَتْ مَنْزِلَةُ أَصْحَابِ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابِ الْمَشْأَمَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ أَيْ قَامَتِ الْقِيَامَةُ، فَالْوَاقِعَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقِيَامَةِ كَالطَّامَّةِ وَالصَّاخَّةِ وَالْآزِفَةِ وَالْقَارِعَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ- جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ الْوَاقِعَةَ هِيَ الْقِيَامَةُ فِي قَوْلِهِ: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [69/ 13- 16].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ فِيهِ أَوْجَهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، كُلُّهَا حَقٌّ، وَبَعْضُهَا يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ كَاذِبَةٌ مَصْدَرٌ جَاءَ بِصِفَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَالْكَاذِبَةُ بِمَعْنَى الْكَذِبِ كَالْعَافِيَةِ بِمَعْنَى الْمُعَافَاةِ، وَالْعَاقِبَةِ بِمَعْنَى الْعُقْبَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ: {لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} [88/ 11]، قَالُوا: مَعْنَاهُ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَغْوًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْمَعْنَى لَيْسَ لِقِيَامِ الْقِيَامَةِ كَذِبٌ وَلَا تَخَلُّفٌ بَلْ هُوَ أَمْرٌ وَاقِعٌ يَقِينًا لَا مَحَالَةَ.
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُمْ: حَمَلَ الْفَارِسُ عَلَى قِرْنِهِ فَمَا كَذَبَ، أَيْ: مَا تَأَخَّرَ وَلَا تَخَلَّفَ وَلَا جَبُنَ.
وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
لَيْثٌ بَعْثَرٌّ يَصْطَادُ الرِّجَالَ إِذَا ** مَا كَذَبَ اللَّيْثُ عَنْ أَقْرَانِهِ صَدَقَا

وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} الْآيَةَ [4/ 87]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا} [22/ 7]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} [3/ 9]، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ الشُورَى فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ} [42/ 7].
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: لِوَقْعَتِهَا ظَرْفِيَّةٌ، وَكَاذِبَةٌ اسْمُ فَاعِلِ صِفَةٍ لِمَحْذُوفٍ أَيْ لَيْسَ فِي وَقْعَةِ الْوَاقِعَةِ نَفْسٌ كَاذِبَةٌ بَلْ جَمِيعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَادِقُونَ بِالِاعْتِرَافِ بِالْقِيَامَةِ مُصَدِّقُونَ بِهَا لَيْسَ فِيهِمْ نَفْسٌ كَاذِبَةٌ بِإِنْكَارِهَا وَلَا مُكَذِّبَةٌ بِهَا.
وَهَذَا الْمَعْنَى تَشْهَدُ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [26/ 201]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [22/ 55].
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ النَّمْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [27/ 66]، وَبَاقِي الْأَوْجُهِ قَدْ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ قُرْآنٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بُعْدٍ عِنْدِي، وَلِذَا لَمْ أَذْكُرْهُ، وَأَقْرَبُهَا عِنْدِي الْأَوَّلُ.